محمد متولي الشعراوي
1100
تفسير الشعراوي
« ويحيطون » هي دقة في الأداء ، لأنك قد تدرك معلوما من جهة وتجهله من جهات ، فأوضح سبحانه : أنك لا تقدر أن تحيط بعلم اللّه أو قدرته ؛ لأن معنى الإحاطة أنك تعرف كل شئ ، مثل المحيط على الدائرة ، لكن ذلك لا يمنع أن نعلم جزئية ما ، ونحن نعلم بما آتانا اللّه من قوانين الاستنباط ، فهناك مقدمات نستنبط منها نتائج ، مثل الطالب الذي يحل مسألة جبر ، أو تمرين هندسة ، أيعلم هذا الطالب غيبا ؟ لا ، ولكنه يأخذ مقدمات موضوعة له ويصل إلى نتائج معروفة سلفا لأستاذه . وأنت لا تحيط بعلم إلا بما شاء لك اللّه أن تحيط ، « لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » . وقول اللّه : « إِلَّا بِما شاءَ » هو إذن منه سبحانه بأنه سيتفضل على خلقه بأن يشاء لهم أن يعلموا شيئا من معلومه ، وكان هذا المعلوم خفيا عنهم ومستورا في أسرار الكون ، ثم يأذن اللّه للسر أن ينكشف ، وكل شئ اكتشفه العقل البشرى ، كان مطمورا في علم الغيب وكان سرا من أسرار اللّه ، وبعد ذلك أذن اللّه للسر أن ينكشف فعرفناه ، بمشيئته سبحانه . فكل سر في الكون له ميلاد كالإنسان تماما ، أي أن له ميعادا يظهر فيه ، وهذا الميعاد يسمى مولد السر . لقد كان هذا السر موجودا وكان العالم يستفيد منه وإن لم يعلمه . لقد كنا نحن نستفيد - على سبيل المثال - من قانون الجاذبية ولم نكن نعلم قانون الجاذبية ، وكذلك النسبية كنا نستفيد منها ولم نكن نعلمها ، وهذا ما يبينه لنا الحق في موضع آخر من القرآن الكريم ، قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 53 ) ( سورة فصلت ) ما دام قال سبحانه : « سنريهم » ، فهذا يعنى أنه سبحانه سيولد لنا أسرارا جديدة ، وهذا الميلاد ليس إيجادا وإنما هو إظهار ، ولذلك يقول الناس عن الأسرار العلمية : إنها اكتشافات جديدة ، لقد تأدبوا في القول مع أن كثيرا منهم غير متدينين ، قالوا : اكتشفنا كذا ، كأن ما اكتشفوه كان موجودا وهم لا يقصدون هذا الأدب . إنما هي جاءت كذلك ، أما المؤمنون فيقولون : لقد أذن اللّه لذلك السر أن يولد .